عبد الملك الجويني

5

الشامل في أصول الدين

[ كتاب النظر ] بسم اللّه الرّحمن الرّحيم . . . « 1 » ( ولا بد منهما ، وإنما المبتغى المعاني دون العبارات ) . فإن قيل : فلم شرط عدم العلم في صحة النظر ؟ ولا معنى لشرطه ، إذ العلم يضاد النظر ، فنفي ثبوت النظر ينبئ عن انتفاء أضداده . فكأنه شرط في ثبوت النظر عدم ضده ، والعدم انتفاء محض ، والانتفاء لا يكون شرطا . وأيضا فمضادة العلم للنظر كمضادة الجهل له . فلا معنى لتخصيص العلم بالذكر . فالجواب عن ذلك : أن العدم والانتفاء يجوز أن يكونا شرطا . فانتفاء السواد شرط ثبوت البياض ، وإنما الممتنع أن يكون النفي علة موجبة . وأما الشرط فلا يمتنع ذلك فيه ، إذ ليس يوجب الشرط مشروطه . وأما تخصيصه العلم بالذكر فللتنبيه بالأعلى على الأدنى ، إذ الغرض من الخوض في الكلام التعرض لبيان ما يكاد يشكل ، والعلم بصدد أن يجوز ثبوته مع النظر إذا ذهل المجوز عن الحقائق . فقصد رضى اللّه عنه موطن الإشكال ، ثم نبه ببيانه على ما عداه . ولو اجترأ المجترئ فقال : النظر الصحيح هو الفكر المنوط بطلب وجه الدليل على وجه يوصل إليه ، كان سديدا . فصل [ هل يجوز الاستدلال بفكرين ] فإن قال قائل : زعمتم فيما قدمتم أن العلم بالمنظور فيه يضاد النظر ، ونحن نرى العاقل يستدل فيؤديه الدليل إلى العلم بالمدلول ، ثم يضرب في ضرب آخر من النظر . فقد تحقق ثبوت نظره في الدليل الثاني مع حصول علمه بالمنظور فيه أولا . وقد اختلف المحققون في وجه التقصي عن السؤال . فذهب بعضهم إلى أنه إنما يصح النظر في الدليل

--> ( 1 ) موضع النقط خرم في الأصل .